العيني

106

عمدة القاري

المنع ، وذهب ابن أبي هريرة إلى جواز الإجارة عليه ، وهو قول مالك ، وإنما يجوز عندهم إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة ، فإن آجره على الطرق حتى يحمل لم يصح ، ورخص فيه الحسن وابن سيرين ، وقال عطاء : لا بأس به إذا لم يجد ما يطرقه . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينزيه مدة معلومة بأجر معلوم ، وذلك عن أبي سعيد والبراء ، وذهب الكوفيون والشافعي وأبو ثور إلى : إنه لا يجوز ، واحتجوا بحديث الباب ، وروى الترمذي من حديث أنس أن رجلاً من كلاب سأل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن عسب الفحل فنهاه ، فقال : يا رسول الله ! إنا نطرق الفحل فنركم ، فرخص في الكرامة ، ثم قال : حسن غريب . وفيه : جواز قبول الكرامة على عسب الفحل وإن حرم بيعه وإجارته ، وبه صرح أصحاب الشافعي ، وقال الرافعي : ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئا على سبيل الهدية ، خلافا لأحمد ، انتهى . وما ذهب إليه أحمد قد حكي عن غير واحد من الصحابة والتابعين ، فروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) بإسناده إلى مسروق ، قال : سألت عبد الله عن السحت ؟ قال : الرجل يطلب الحاجة فيهدى إليه فيقبلها ، وروي عن ابن عمر أن رجلاً سأله أنه تقبل رجلاً أي : صمنه ، فأعطاه دراهم وحمله وكساه ، فقال : أرأيت لو لم تقبله أكان يعطيك ؟ قال : لا ، قال : لا يصلح لك ، وروى أيضا عن أبي مسعود ، عقبة بن عمرو ، وأنه أتى إلى أهله ، فإذا هدية ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : الذي شفعت له ، فقال : أخرجوها أتعجل أجر شفاعتي في الدنيا . وروي عن عبد الله بن جعفر أنه كلم عليا في حاجة دهقان ، فبعث إلى عبد الله بن جعفر بأربعين ألفا ، فقال : ردوها عليه ، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف . وقد روي نحو هذا في حديث مرفوع ، رواه أبو داود في ( سننه ) من رواية خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها ، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ، وهذا معنى ما ورد : كل قرض جر منفعة فهو ربا ، وروى ابن حبان في ( صحيحه ) : من حديث أبي عامر الهوزني عن أبي كبشة الأنماري : أنه أتاه فقال : أطرقني فرسك ، فإني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : من أطرق فرسا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليها في سبيل الله ، وإن لم يعقب كان له كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله . قوله : ( أطرقني ) ، أي : أعرني فرسك للإنزاء . ثم الحكمة في كراهة إجارته عند من يمنعها أنها ليست من مكارم الأخلاق . ومن جوزها من الشافعية والحنابلة بمدة معلومة قاسها على جواز الاستئجار لتلقيح النخل ، وهو قياس بالفارق ، لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه ، بخلاف تلقيح النخل . 22 ( ( بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أحَدٌ أرْضا فماتَ أحَدُهُمَا ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا استأجر أرضا فمات أحدهما ، أي : أحد المتواجرين ، وليس هو بإضمار قبل الذكر لأن لفظ : استأجر ، يدل على المؤجر ، وجواب : إذا ، محذوف تقديره : هل ينفسخ أم لا ؟ وإنما لم يجزم بالجواب للاختلاف فيه . وقال ابنُ سِيرينَ لَيْسَ لأِهْلِهِ أنْ يُخْرِجُوهُ إلَى تَمامِ الأجَلِ أي : قال محمد بن سيرين : ليس لأهله ، أي : لأهل الميت ، أن يخرجوه أي المستأجر إلى تمام الأجل ، أي : المدة التي وقع العقد عليها ، قال الكرماني : ليس لأهله : إي : لورثته أن يخرجوه أي : عقد الاستئجار أي : يتصرفوا في منافع المستأجر . قلت : قول الكرماني : أي عقد الاستئجار ، بيان لعود الضمير المنصوب في : أن يخرجوه ، إلى عقد الاستئجار ، وهذا لا معنى له ، بل الضمير يعود إلى المستأجر كما ذكرنا ، ولكن لم يمض ذكر المستأجر ، فكيف يعود إليه ؟ وكذلك الضمير في : أهله : ليس مرجعه مذكورا ففيهما إضمار قبل الذكر ، ولا يجوز أن يقال : مرجع الضميرين يفهم من لفظ الترجمة ، لأن الترجمة وضعت بعد قول ابن سيرين هذا بمدة طويلة ، وليس كله كلاما موضوعا على نسق واحد حتى يصح هذا ، ولكن الوجه في هذا أن يقال : إن مرجع الضميرين محذوف ، والقرينة تدل عليه ، فهو في حكم الملفوظ . وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا : سئل محمد بن سيرين في رجل استأجر من رجل أرضا ، فمات أحدهما ، هل لورثة الميت أن يخرجوا يد المستأجر من تلك الأرض أم لا ؟